الجمعة 16 يناير 2026 الموافق 27 رجب 1447
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
عاجل

«ميلاد فتى الشاشة الهادئ».. السينما المصرية تحيي ذكرى محسن سرحان

الفنان محسن سرحان
الفنان محسن سرحان

في مثل هذا اليوم، السادس من يناير، تتزين ذاكرة الفن العربي بذكرى ميلاد الفنان القدير «محسن سرحان»، واحد من ألمع فرسانها، الذي ولد في عام 1916. 

واليوم، ونحن في مطلع عام 2026، لا يزال اسم هذا الفنان المحفور في وجدان الجماهير يتردد كرمز للأناقة الفنية والأداء الصادق.

 لم يكن محسن سرحان مجرد ممثل مر عابراً على الشاشة، بل كان تجسيداً لجيل «الزمن الجميل» الذي آمن بأن الفن رسالة وطنية وإنسانية قبل أن يكون وسيلة للشهرة.

تميز الراحل بـ «وسامة فطرية» وحضور طاغٍ يتسم بالهدوء والرقي، مما جعله «البطل المفضل» للمخرجين في منتصف القرن العشرين.

 استطاع بموهبته أن ينسج علاقة ثقة وطيدة مع الجمهور، حيث كان يطل عليهم بملامح تعكس الطيبة المصرية الأصيلة، وقدرة فائقة على التلون بين مختلف الشخصيات، مما جعله بطلاً محبوباً تتهافت عليه دور العرض لسنوات طويلة، وظل اسمه مرادفاً للنجاح والالتزام المهني.

«البدايات والتكوين الأكاديمي».. رحلة من القاهرة إلى عتبات المعاهد الفنية

وُلد محسن محمد سرحان في قلب القاهرة، ونشأ في بيئة مصرية متوسطة غرست فيه قيم الانضباط والاجتهاد. ومنذ نعومة أظفاره، ظهر شغفه الجارف بعالم الأضواء والتمثيل، لكنه لم يكتفِ بالموهبة الفطرية وحدها، بل أدرك مبكراً أن «العلم هو صقل الموهبة». 

هذا الوعي دفعه للالتحاق بـ «المعهد العالي للفنون المسرحية» في بواكيره، ليكون من بين أوائل خريجي هذا الصرح الأكاديمي العريق.

هذه الدراسة الأكاديمية منحت محسن سرحان «أدوات فنية صلبة»، حيث تعلم كيفية التحكم في نبرات صوته وتعبيرات وجهه، مما ميزه عن أقرانه بأسلوب رصين وهادئ بعيد عن المبالغة. 

كانت انطلاقته الفعلية في أواخر الثلاثينيات، وهي الفترة التي كانت فيها السينما المصرية تضع لبناتها الأولى كصناعة كبرى، واستطاع بذكائه أن يقتنص الفرص ويثبت أقدامه كوجه سينمائي واعد يبشر بميلاد نجم من طراز فريد.

«نجم الصف الأول».. مسيرة حافلة بـ 100 عمل فني خالد

خلال حقبتي الأربعينيات والخمسينيات، تحول محسن سرحان إلى «أيقونة للسينما المصرية»، وشارك في أكثر من مائة عمل فني تنوعت بين الشاشة الكبيرة وخشبة المسرح. 

لم يحصر نفسه في قالب «الشاب الرومانسي» الوسيم فقط، بل تمرد على ملامحه الهادئة ليقدم أدواراً معقدة؛ فكان الرجل الوطني الغيور، والمثقف المستنير، والأب الحنون، والموظف الكادح.

وارتبط اسم محسن سرحان بـ «السينما ذات الطابع الوطني»، خاصة في المرحلة التي تلت ثورة يوليو 1952.

 فقد نجح في تجسيد صورة المواطن المصري المخلص لقضايا وطنه، وبرز ذلك بوضوح في تحفته السينمائية «رد قلبي»، حيث قدم شخصية عكست التغيرات الاجتماعية والسياسية في مصر آنذاك. 

كما ضمت قائمة أعماله روائع لا تُنسى مثل: «في بيتنا رجل، الله معنا، شباب امرأة، أرض السلام، وأبي فوق الشجرة». 

هذه الأفلام لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت مرآة عكست آمال وآلام المجتمع المصري في مراحل تحوله الكبرى.

«خلف الستار».. حياة هادئة بعيدة عن ضجيج التريند ومعارك الشهرة

على عكس الكثير من نجوم جيله، كان محسن سرحان يميل إلى «العزلة الاختيارية» والابتعاد عن صخب الأضواء واللقاءات الإعلامية المكثفة.

 عُرف عنه في الوسط الفني بلقب «الفنان الملتزم»، حيث كان يقدس مواعيد التصوير ويحترم زملائه الصغار قبل الكبار. 

وفي حياته الشخصية، اختار الاستقرار والهدوء، فتزوج من خارج الوسط الفني، مفضلاً أن تكون حياته الخاصة «مملكته السرية» التي لا يحق لأحد اقتحامها.

كان شعاره دائماً أن «الفن هو الذي يجب أن يتحدث عن الفنان»، وليس ظهوره في المناسبات الاجتماعية أو الحوارات الصحفية، وهذا الزهد في الشهرة الزائفة منحه وقاراً خاصاً واحتراماً كبيراً في عيون زملائه وجمهوره.

 وظل متمسكاً بمبادئه الفنية حتى في أصعب الظروف، حيث كان يرفض الأدوار التي لا تضيف لرصيده أو لا تحترم عقلية المشاهد، مما جعل مسيرته خالية من "السقطات الفنية" التي قد تلازم النجوم الطامحين للمال فقط.

«الرحيل والبقاء».. وداع جسدي وإرث فني يتجدد في ذاكرة 2026

في سنواته الأخيرة، بدأت المتاعب الصحية تلاحق الفنان الكبير، مما أجبره على الابتعاد تدريجياً عن الساحة الفنية التي عشقها. 

ورغم غيابه الجسدي عن الشاشة، إلا أن أفلامه ظلت حاضرة بقوة في كل بيت مصري وعربي عبر شاشات التليفزيون.

 وفي 19 أبريل عام 1978، رحل محسن سرحان عن عالمنا عن عمر ناهز 62 عاماً، تاركاً خلفه حزناً عميقاً في قلوب محبيه، ولكن أيضاً إرثاً سينمائياً يدرس في كيفية الأداء السهل الممتنع.

واليوم، ونحن نحتفل بذكرى ميلاده في عام 2026، ندرك أن «النجوم الحقيقيين لا يغيبون»، فما زالت نظرة عينيه الهادئة في فيلم «شباب امرأة» وقوته في «رد قلبي» تلهم الأجيال الجديدة من الممثلين.

 إن الاحتفاء بمحسن سرحان هو احتفاء بقيمة الإخلاص للفن، وهو تذكير بأن الوسامة الحقيقية تكمن في «صدق الأداء ورقي الشخصية»، ليبقى "فتى الشاشة الهادئ" علامة مسجلة في تاريخ القوة الناعمة المصرية.

تم نسخ الرابط