الجمعة 03 أبريل 2026 الموافق 15 شوال 1447
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة

القوة القاهرة وتأثيرها على تنفيذ العقود في زمن جائحة كورونا: بين استحالة التنفيذ وإعادة التوازن العقدي

دكتور شعبان علم الدين
دكتور شعبان علم الدين شوقي

بقلم/ د. شعبان علم الدين شوقي

لم تكن جائحة كورونا مجرد أزمة صحية عابرة، بل مثلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأنظمة القانونية على التكيف مع ظروف استثنائية غير مسبوقة، حيث توقفت حركة التجارة، وتعطلت سلاسل الإمداد، وفرضت الدول قيودًا صارمة على التنقل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

 أهم الوسائل القانونية 

وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة مفهوم «القوة القاهرة» بوصفه أحد أهم الوسائل القانونية التي يلجأ إليها المتعاقدون لتبرير عدم تنفيذ التزاماتهم، غير أن تطبيق هذا المفهوم في ظل جائحة عالمية، أثار العديد من الإشكاليات، التي تتطلب تحليلًا دقيقًا.

تُعرف القوة القاهرة بأنها الحادث غير المتوقع، الذي لا يمكن دفعه، ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلًا استحالة مطلقة. وهو تعريف يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية:

- عدم التوقع
- استحالة الدفع
- استحالة التنفيذ

وبتطبيق ذلك على جائحة كورونا، يثور التساؤل: هل تُعد الجائحة قوة قاهرة في ذاتها؟ أم أن الأمر يتوقف على مدى تأثيرها على كل التزام على حدة؟

الحقيقة أن الإجابة ليست مطلقة، إذ لا يمكن اعتبار الجائحة قوة قاهرة في جميع الحالات، بل يجب التمييز بين نوعين من الالتزامات:

- التزامات أصبح تنفيذها مستحيلًا بشكل كامل (كعقود تنظيم الفعاليات أثناء الحظر)
- والتزامات أصبح تنفيذها مرهقًا أو صعبًا، دون أن يصل إلى حد الاستحالة

وفي الحالة الأولى، يترتب على تحقق القوة القاهرة انقضاء الالتزام، دون مسؤولية على المدين، لانتفاء الخطأ. أما في الحالة الثانية، فإننا نكون أمام نظرية "الظروف الطارئة"، التي تتيح للقاضي تعديل الالتزام، بما يعيد التوازن العقدي، دون إنهائه.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين النظريتين:
فالقوة القاهرة تؤدي إلى «انقضاء الالتزام»، بينما تؤدي الظروف الطارئة إلى «تعديله».

وقد كشفت جائحة كورونا عن أهمية النصوص التعاقدية المسبقة، خاصة تلك المتعلقة ببنود القوة القاهرة، حيث اتجهت العديد من العقود الحديثة إلى تضمين نصوص صريحة تشمل الأوبئة والجوائح، لتفادي الخلاف حول تفسيرها.

كما لعب القضاء دورًا محوريًا في تحقيق التوازن، من خلال فحص كل حالة على حدة، وعدم التوسع في تطبيق القوة القاهرة بشكل يؤدي إلى الإضرار بالاستقرار التعاقدي.

ومن ناحية أخرى، برز اتجاه حديث يدعو إلى إعادة النظر في فلسفة الالتزام التعاقدي ذاتها، بحيث لا تقوم فقط على مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، بل تمتد لتشمل فكرة "عدالة التنفيذ"، خاصة في الظروف الاستثنائية.

وفي هذا الإطار، لم تعد العلاقة التعاقدية مجرد التزام جامد، بل أصبحت علاقة مرنة، قابلة لإعادة التوازن، بما يحقق العدالة للطرفين.

وفي الختام، يمكن القول إن جائحة كورونا لم تُغير فقط من واقع العالم، بل أعادت تشكيل المفاهيم القانونية المرتبطة بتنفيذ العقود، وفرضت على الفقه والقضاء تبني رؤية أكثر مرونة، توازن بين استقرار المعاملات، ومقتضيات العدالة في مواجهة الظروف الاستثنائية.

تم نسخ الرابط