الخميس 15 يناير 2026 الموافق 26 رجب 1447
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة
القارئ نيوز القارئ نيوز
رئيس مجلس الإدارة
محمد جودة الشاعر
رئيس التحرير
د.محمد طعيمة

رمزية الأمومة.. قصة لوحة الطفل «ميريسمخت» بالمتحف البريطاني

اللوحة الجنائزية
اللوحة الجنائزية

في قلب الجناح المصري بالمتحف البريطاني، تقف «اللوحة الجنائزية للطفل ميريسمخت» كواحدة من أرق وأندر القطع الأثرية التي تجسد مفهوم الموت والحياة في مصر القديمة.

 تعود هذه اللوحة الفريدة إلى منتصف الأسرة الثامنة عشرة، وتحديداً في الفترة ما بين عامي 1400 و1350 قبل الميلاد؛ وهي الحقبة التي شهدت ذروة الازدهار الفني والاجتماعي في الدولة الحديثة.

تصور اللوحة الطفل «ميريسمخت»، الذي غيبه الموت في سن مبكرة جداً، وهو يجلس في وضعية تنضح بالبراءة والحميمية على ركبتي والدته. 

تظهر الأم في اللوحة وهي تقرب إلى فمه «قطعة فاكهة»، في لفتة تفيض بالحنان، بينما تظهر على يمين اللوحة كومة ضخمة من «قرابين الطعام والشراب» المجهزة بعناية. 

وتكمن أهمية هذه اللوحة في ندرتها؛ فمن غير المألوف في الفن المصري القديم إقامة لوحة جنائزية خاصة بطفل، مما يشير إلى المكانة الرفيعة لأسرة هذا الصغير، والأهم من ذلك، يبرز دور الأم الذي لم يكن مجرد دور عاطفي، بل كان يُنظر إليها كـ «وسيطة روحانية» تهدف بتصرفاتها وطقوسها تسهيل انتقال روح طفلها بسلام إلى العالم الآخر.

ماهية اللوحات الجنائزية.. صرخة الاسم في وجه النسيان

تُعرف «اللوحات الجنائزية» في الحضارة المصرية القديمة بأنها ألواح منحوتة بدقة من الحجر، تحمل نقوشاً وكتابات وصوراً أقيمت لأغراض متعددة، لكن الغرض الأصلي والجوهري منها كان دائماً «تخليد اسم المتوفى». 

ففي العقيدة المصرية القديمة، كان بقاء الاسم ونطقه يعني بقاء الشخص حياً في الأبدية، ولذلك كانت اللوحة بمثابة «شهادة ميلاد أبدية» تضمن للمتوفى عدم الاندثار في عالم النسيان.

دخلت هذه اللوحات حيز الاستخدام منذ فجر التاريخ المصري، وتحديداً في «فترة الأسرات المبكرة». وفي تلك المرحلة، كانت اللوحات ترتبط بشكل وثيق بالملوك، حيث كانت تحمل اسم الملك داخل علامة «السرخ» (وهو الواجهة الرمزية للقصر الملكي التي يعلوها الصقر حورس).

 وكانت هذه اللوحات البدائية تُنصب داخل محاريب مخصصة داخل المقبرة لتكون حلقة الوصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات.

من «الأبواب الوهمية» إلى «القمم الدائرية».. التطور المعماري للروح

مع بداية الأسرة الثالثة (عصر الدولة القديمة)، شهدت اللوحات الجنائزية تحولاً دراماتيكياً في الوظيفة والشكل؛ حيث نُحتت على هيئة «أبواب وهمية». 

لم يكن هذا الباب مجرد زينة معمارية، بل كان يُعتبر «بوابة رمزية» حقيقية تسمح لروح المتوفى (الكا) بمغادرة المقبرة لتناول القرابين ثم العودة إليها مرة أخرى.

ومع الانتقال إلى «عصر الدولة الوسطى»، بدأت السمة الأشهر للوحات الجنائزية في الظهور والانتشار، وهي «القمم الدائرية» التي ترمز إلى قبة السماء أو مسار الشمس.

 هذا الشكل لم يكن جمالياً فحسب، بل كان يحمل دلالات كونية تربط المتوفى بالإله «رع» ورحلته اليومية بين الشروق والغروب، وهو ما جعل هذا التصميم يستمر لقرون طويلة كعلامة مميزة للفن الجنائزي المصري.

عصر الرعامسة والزخارف الملكية.. حين تتحدث الجدران

في «عصر الدولة الحديثة» وما تلاه من عصر الرعامسة، وصلت اللوحات الجنائزية إلى قمة تطورها الفني والزخرفي. 

لم تعد مجرد ألواح داخلية، بل أصبحت تُقام على «جانبي مداخل المقابر» لتكون أول ما تقع عليه عين الزائر. 

ازدادت اللوحات ضخامة وزخرفة، وزُينت بمناظر اجتماعية دافئة تضم «أفراد أسرة المتوفى»، مثلما نرى في «لوحة أمنحوتب» الشهيرة، مع التركيز على مناظر التقدمة والتبجيل.

كما بدأ المصري القديم في هذه المرحلة بتصوير «الآلهة الجنائزية» مثل (أوزيريس، أنوبيس، وحتحور) على هذه اللوحات، ليطلب منهم الحماية والمباركة في العالم الآخر.

 ولم تقتصر اللوحة على الصور، بل امتدت لتشمل «نصوصاً هيروغليفية» معقدة، كان من أبرزها نصوص «السيرة الذاتية».

نصوص السيرة الذاتية.. جواز السفر نحو الحياة الأخرى

كانت نصوص السيرة الذاتية المنقوشة على اللوحات الجنائزية بمثابة «تقرير أخلاقي» يقدمه المتوفى أمام محكمة العدل الإلهية. 

تضمنت هذه النصوص سرداً لـ «الأعمال الخيرة» التي قام بها المتوفى خلال حياته؛ كإطعام الجائع، وكسوة العاري، والعدل بين الناس.

كان الهدف من هذه النصوص هو إظهار المتوفى في «أفضل صورة ممكنة» أمام الآلهة والناس، مما يعزز فرصه في اجتياز اختبار «وزن القلب» والوصول إلى حقول «الإيارو» (الجنة المصرية). 

وبذلك، تحولت اللوحة الجنائزية من مجرد قطعة حجرية إلى «وثيقة قانونية وروحية» تضمن لصاحبها مكاناً تحت شمس الأبدية، تماماً كما فعلت لوحة الطفل ميريسمخت التي لا تزال تروي قصة حبه وحنين أمه بعد آلاف السنين.

تم نسخ الرابط